مرحبا بزوار التقدمية

مرحبا بالزوار الكرام لمدونة التقدمية. هذه المدونة تتبع صحيفة التقدمية الأصلية وهذا موقعها http://www.taqadoumiya.net/. تعرضت للضرب والحذف فجر يوم 3 سبتمبر وتم استعادتها في آخر يوم 4 سبتمبر بعد الاتصال بشركة غوغل... قد تضرب في أية لحظة مرة أخرى فالرجاء من القراء المهتمين بالمقالات تسجيلها أو طبعها أو البحث عنها عبر غوغل في مواقع أخرى...

الأربعاء، 24 نوفمبر 2010

في سوسيولوجيا العسكر: لماذا لا تبني السعودية أكبر جيش في منطقة الشرق الأوسط؟


في سوسيولوجيا العسكر: لماذا لا تبني السعودية أكبر جيش في منطقة الشرق الأوسط؟
الجيش السعودي ينفق خمسة أضعاف الجيش الإسرائيلي لكنه عاجز عن مواجهة بضعة افراد من الحوثيين في معارك برية
فر أمام القوات العراقية في معركة الخفجي سنة 1991 بشهادة الجنرال الأمريكي شوارزكوف الذي سخر من الماريشال خالد
لماذا فتت العائلة المالكة القوات المسلحة إلى جيش وحرس وطني وقوات داخلية... الخوف المستمر من شبح الانقلاب
قصة الضباط السعوديين الذين هربوا بطائراتهم إلى مصر عبد الناصر أثناء حرب اليمن ورفضوا مساندة قوات الإمام بدر 
فضيحة أكبر رشوة بيع أسلحة في العالم بين بندر بن سلطان وشركة بريطانية وطوني بلير يوقف التحقيق القضائي.

بقلم : رياض الصيداوي
هذا سؤال قد يبدو محير للوهلة الأولى: فالسعودية بلد كثيف السكان إذ يعد حوالي 25 مليون نسمة ودخله الأول عربيا إذ تجاوز الناتج الإجمالي الخام 400 مليار دولار، أي هو يمتلك المقومات المادية ليصبح من أكبر الجيوش في منطقة الشرق الأوسط: المال الكافي والتعداد البشري اللازم. ورغم ذلك نجده الأضعف في المنطقة أمام القدرات القتالية للجيش الإيراني أو السوري أو المصري بل حتى اليمني. يبدو جيشا استعراضيا أكثر منه قتاليا... ويوجد نقص في أبحاث العلوم السياسية المهتمة بسوسيولوجيا الجيش السعودي.
نحاول في هذا المقال مقاربة بعض أسباب ضعف المؤسسة العسكرية السعودية وسنعتمد على فرضية أساسية وهي إرادة العائلة المالكة المستمرة نحو إضعاف الجيش خوفا من تحوله إلى قوة مستقلة تنافسها في الحكم.

الخوف من الانقلاب العسكري
تكررت ظاهرة الانقلابات العسكرية في المنطقة العربية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية واستهدفت العائلات الملكية بخاصة ونجحت في بعض الدول في إسقاطها. ومثل انقلاب / ثورة 23 يوليو 1952 في مصر
قطة تحول جذرية في صراع العروش مع المؤسسات العسكرية... حيث لم تسلم ملكية عربية من محاولة القوات المسلحة إسقاطها ونجح العسكر في مسعاهم أحيانا وفشلوا أحيانا أخرى.
نجحوا في العراق سنة 1958 في إسقاط الحكم الهاشمي وذلك بالاشتراك مع المدنيين، وفي اليمن سنة 1962 بقيادة المشير عبد الله السلال في إسقاط حكم الإمامة، وفي ليبيا سنة 1969 بقيادة العقيد معمر القذافي في إسقاط حكم العائلة السنوسية... لكنهم فشلوا في بلدان عربية أخرى كالمغرب والأردن ... هؤلاء الضباط والجنود الثائرين ينتمون عادة إلى الطبقات الوسطى والشعبية ويتميزون بحس وطني ومعاداة عميقة للاستعمار ويتهمون ملكياتهم بالتواطؤ معه.
وتعد ثورة 23 يوليو المرجع الأساسي لهذه "الثورات العسكرية".
تفطنت العائلة المالكة السعودية مبكرا لهذا الخطر وأدركت أن بناء جيش قوي مستعد للقتال يعني انتداب جنود وضباط كثيرين من الطبقات الشعبية الفقيرة والمتوسطة وهي الفئات الاجتماعية التي تعاني من شعور عميق بالحيف في توزيع الريع النفطي. لذلك تبنت إستراتيجية عدم تقوية الجيش عددا وبخاصة عدم تأهيله للقيام بمهمات قتالية حقيقية.
إضافة إلى إعطاء قياداته لأفراد من العائلة المالكة لا يمتعون بالكفاءة العسكرية ولكنهم يضمنون ولاءه ومراقبته.
وتحويل المؤسسة العسكرية إلى مجال لجني أموال طائلة لقادتها عبر صفقات أسلحة مشبوهة. وفي الآن نفسه تم بناء جهاز عسكري آخر هو الحرس الوطني كمؤسسة منافسة يمكن اللجوء إليها في حالة حدوث ثورة عند العسكر ... ولكن الأهم هو تركيز كل هذه المؤسسات على الأمن الداخلي حيث ترك الأمن الخارجي لتحالف العائلة المالكة مع الولايات المتحدة الأمريكية في إطار الاتفاق التاريخي بين ابن سعود والرئيس الأمريكي روزفلت وعنوانه: النفط مقابل الأمن.
أي أن السعودية توفر النفط بأسعار يقبلها الطرف الأمريكي وفي المقابل تضمن الولايات المتحدة أمن العائلة.

قائد الجيش السعودي الماريشال خالد بن سلطان بن عبد العزيز مرتديا زيا كارنافاليا


الخوف من توسع قاعدة الجيش
ترصد العلوم السياسية ظاهرة أنه كلما تم توسيع القاعدة الشعبية للمؤسسة العسكرية في دولة ملكية إلا وحاول بعض الضباط القيام بانقلاب / ثورة سواء نجحوا أو فشلوا.
والأهم أنه لم يحدث تغيير سياسي دون المرور عبر الجيش.
لم يستطع حزب أو حركة اجتماعية إسقاط نظام عربي واحد، فقط المؤسسة العسكرية كانت الوحيدة القادرة عملياً وتنظيمياً على إنجاز هذه المهمة.
وعاشت العائلة المالكة في السعودية تجربة تمرد ضباطها على النظام لأسباب إيديولوجية وطنية حيث لم يكونوا راضين على سياستها وشكلت ثورة اليمن أكبر امتحان لها.
حيث انحازت مصر الناصرية لحركة الجمهوريين بقيادة المشير السلال ودعمت السعودية الإمام البدر الهارب والمحتمي ببعض القبائل وبالدعم السعودي لإعادة الحكم الملكي وطرد الجمهوريين.
يذكر محمد حسنين هيكل في كتابه "عبد الناصر والعالم" :
"أن السعوديين لم يكونوا جميعا راغبين في إعادة الملكيين إلى الحكم في اليمن. فقد انطلق ثلاثة من طياري سلاح الجو السعودي بطائراتهم إلى مصر طالبين حق اللجوء السياسي في 2 أكتوبر 1962.
وكانت الطائرات الثلاث من طائرات النقل طراز فيرتشايلد، محملة بالسلاح والذخيرة في صناديق عليها صورة اليدين المتصافحتين : شعار برنامج المساعدات الأمريكية واحتج عبد الناصر للسفير الأمريكي قائلاً، إن هذه ليست بالطريقة السليمة للمساعدة :
وإن هذا النوع من المساعدات ينطوي على تقديم الموت وليس الصداقة.
بعد التجاء الطيارين السعوديين الثلاثة إلى مصر شل سعود حركة سلاحه الجوي ومنع تحليق طائراته واستأجر سلاح طيران الملك حسين لتزويد الملكيين بالمساعدات.
لكن الشيء ذاته حدث للأردنيين.
ففي ظرف أسبوع وصلت إلى مصر طائرات الهوكرهنتر الثلاث التابعة لسلاح الطيران الأردني والمرابطة في مطار جدة.
وكان يقودها طياروها وعلى رأسهم قائد سلاح الجو الملكي الأردني نفسه.
ولما ازداد عدد الطيارين السعوديين والأردنيين الذين لجأوا بطائراتهم إلى مصر.
دأب السفير الأمريكي- بادو- على سؤال عبد الناصر كلما رآه في تلك الفترة :
"كم بلغ عدد الحمائم اليوم "؟
الإنذار المبكر خوفاً من الجيش
مثلت هذه الحادثة إنذارا مبكرا للقيادة السعودية في أن الخطر الحقيقي الذي يهدد ملكها ليس القبائل ولا التنظيمات السياسية المعارضة في الداخل أو في الخارج وإنما يأتي مباشرة من المؤسسة العسكرية التي أنشأتها وتنفق عليها.
أدركت مدى خطورتها فعملت على إضعافها وجعلها مجرد مؤسسة استعراضية غير قادرة على القيام بمهمات قتالية.
ومن ثمة عدم توسيع عددها وهي القادرة عمليا على بناء جيش يصل تعداده إلى مليوني مقاتل.
حرب الخليج الأولى والثانية والامتحان الصعب للجيش السعودي
بعد نجاح الثورة الإسلامية الإيرانية سنة 1979 أصبح للشيعة في العالم قاعدة قوية وصلبة يمكنها أن تهدد الأقطار العربية المجاورة وبخاصة المملكة العربية السعودية والعراق وبقية دول الخليج العربي حيث توجد فيها أعداد كبيرة من الشيعة وفي بعض الأحيان يقيمون في المناطق الأكثر غنى بالنفط مثل العراق في البصرة في الجنوب وفي المملكة العربية السعودية في المنطقة الشرقية.
أحست العائلة المالكة بالخطر الشيعي الداهم وسرعان ما استجابت له بخطة محاربته عبر العراق ودعم صدام حسين بالمال والسلاح ليقوم بحربه نيابة عن المنطقة كلها.
تجنبت الخوض مباشرة في أي صراع عسكري مع إيران انسجاماً مع إستراتيجيتها في عدم إكساب الجيش السعودي تجربة قتالية ميدانية قد تجعل بعض ضباطه يتطلعون إلى الحكم ... وأوكلت المهمة للقيادة العراقية التي خاضت حربا شرسة مدمرة مع إيران امتدت لسنوات عديدة ... وحينما توقفت انتهى الدعم السعودي والخليجي لصدام حسين فشعر بالغبن وأنه خاض حرباً لوحده نيابة عن الآخرين ورد الفعل بشكل خطأ وغير مدروس لانفراده المطلق بالسلطة أولاً ولحالة الغضب التي سيطرت عليه ثانيا. فقام بعمل غير عقلاني.
الجيش السعودي يخوض أول تجربة قتالية منذ تأسيسه
عندما غزا صدام حسين الكويت أحست القيادة السعودية بالخطر الجاد وقامت بتفعيل سريع للاتفاقية التاريخية بين الملك سعود والرئيس الأمريكي روزفلت.
تم الاستنجاد بالجيش الأمريكي للدفاع عن المملكة من خطر صدام وبخاصة لإخراجه من الكويت.
وكان على الجيش السعودي أن يخوض أول تجربة حربية قتالية ميدانية ضد القوات العراقية.

قائد الجيش السعودي الماريشال خالد بن سلطان بن عبد العزيز مع حسنوات فرنسيات


وحسب شهادة الجنرال الأمريكي القائد العام لقوات التحالف شوارزكوف فإن أداء القوات المسلحة السعودية في الحرب كان سيئاً للغاية فهو يذكر في مذكراته كيف فرت أمام قوات عراقية منهكة من دفاعاتها في مدينة الخفجي السعودية حيث كانت مطالبة بالدفاع عنها وأن المدينة لم يتم استعادتها إلا بفضل تدخل القوات الأمريكية ... حاولت العائلة المالكة تفنيد هذه الوقائع عبر نشر كتاب للأمير خالد بن سلطان بن عبد العزيز، القائد العام للقوات الجوية وابن وزير الدفاع سلطان بن عبد العزيز عنوانه "أمير من الصحراء" ترجم للغات عديدة وصرفت عليه أموالاً طائلة من أجل الدعاية للدور السعودي في حرب الخليج الثانية ... لكن المشكل أن الحليف الأمريكي هو الذي انتقد دوره وكشف مدى ضعفه القتالي العملياتي.
اكتفت القيادة السعودية في حرب الخليج الثالثة بتوفير الدعم اللوجيستي للقوات الأمريكية حيث تأكد قيام الطائرات الأمريكية بغارات كثيرة انطلاقاً من القواعد السعودية بالرغم من أن القيادة لم تكن ترغب في غزو العراق وإسقاط صدام حسين حتى لا يزداد النفوذ الإيراني ويتوسع في المنطقة.
لكن الإدارة الأمريكية بقيادة الرئيس السابق جورج بوش الابن لم تكن مستعدة لسماع حلفائها في المنطقة أو الإصغاء إليهم.
فنفذت خطتها في الغزو وأجبرت حلفائها على مساعدتها.
خلاصة هذه الحروب الثلاثة أن المؤسسة العسكرية السعودية غير مؤهلة للقيام بعمليات قتالية رغم الأموال الطائلة التي صرفت عليها لشراء أسلحة لم يثبت يوما مدى فعاليتها.

مدونة رياض الصيداوي


في سوسيولوجيا العسكر: لماذا لا تبني السعودية أكبر جيش في منطقة الشرق الأوسط؟ الحلقة الثانية

قائد الجيش السعودي الماريشال خالد بن سلطان بن عبد العزيز مرتديا زيا قتاليا

تقسيم الجيش وصفقات أسلحة وصراع أمراء

يكمن التناقض الكبير الذي تعيشه المملكة العربية السعودية هو في كونها بلد غني جدا، شاسع المساحة، وعدد سكانه فاق اليوم 25 مليون نسمة وهي تمتلك أسلحة كثيرة كدستها عبر عقود من الزمن وأنفقت عليها مبالغ فلكية ولكنها في نهاية المطاف دولة ضعيفة جدا من الناحية العسكرية أمام جيرانها العرب وغير قادرة على الصمود أمام التهديد الإيراني حتى أن بقية دول الخليج العربي تصرفت لحماية أمنها بمعزل عن أي فرضية تجعلها تعتمد على دفاعات الشقيقة الكبرى. أدركت دول الخليج أن المملكة لا تمتلك فعلا جيشا عملياتيا قادرا على خوض الحروب فاعتمدت على تحالفات دولية خاصة بها من أجل الدفاع عن أمنها الإستراتيجي. وفي ظرف 35 سنة، أي منذ أزمتي النفط في السبعينات، حصلت المملكة على مداخيل ضخمة. وذهبت نسبة كبيرة من هذه المداخيل إلى الإنفاق على التسلح. ومن الصعب الحصول على أرقام موثوق فيها، ولكن يعد رقم 20 مليار دولار سنويا من أجل استيراد الأسلحة رقما مقبولا، وذلك على حد رأي أغلب المختصين. بالنسبة لسنة 1984، على سبيل المثال، نعرف أن الرياض قد أنفقت 20.7 مليار دولار على التسلح. وعلى سبيل المقارنة، في نفس هذه السنة خصصت إسرائيل 5.2 مليار دولار لتسليح جيشها[1]. ويرصد الخبراء الإستراتيجيون أن إنفاق السعودية خمس أضعاف أكثر على جيشها مقابل الجيش الإسرائيلي يعكس حقيقة يعرفها كل المتابعين وهي أنه لا مجال للمقارنة بين الجيش الإسرائيلي والجيش السعودي من الناحية القتالية فالأول مدرب على الحرب والثاني مهمته شكلية استعراضية لا أكثر وهو ما أثبتته الوقائع.

بالنسبة لفترة 1987-1997، والتي تضم حرب الخليج، أنفقت المملكة 262 مليار دولار. وفيما بين سنتي 1989 و2000، باعت[2] الولايات المتحدة الأمريكية للسعودية أسلحة وتجهيزات عسكرية بما يعادل على الأقل 40 مليار دولار.[3]

حرب الخليج كشفت ضعف الجيش

رغم عمليات الاستيراد الضخمة للأسلحة، فإن العالم قد اكتشف سنة 1991 أن المملكة كانت عاجزة على استخدامها لصد هجوم خارجي. لنؤكد على هذه الملاحظة الحاسمة: من المتأكد منه أن القوات السعودية لم تكن أبدا قادرة، لوحدها، على دحر الجيش العراقي من الكويت، ولكن رغم ذلك فقد شاركت في المعارك. لم تقنع القوات البرية بأدائها أحدا، لكن القوات الجوية، قامت بحوالي 6% من الطلعات الجوية أثناء المرحلة الأولى من الحرب. الطيارون الحربيون السعوديون لهم امتيازات كثيرة: حيث يمكنهم أن يحصلوا على أفضل الطائرات الأمريكية المقاتلة من نوعية الفانتوم 15 والفانتوم 16 ويمكنهم القيام لعدة ساعات كثيرة بطلعات جوية تدريبية مثلما شاؤوا، ولكن في الآن نفسه ليس لهم الحق في الحصول على مهارات وتقنيات الطيران التي يمنحها الأمريكيون في المقابل لإسرائيل. فالولايات المتحدة الأمريكية تلتزم تجاه الدولة العبرية بحفاظها على أسبقية تكنولوجية كبيرة. فواشنطن تبيع المملكة مئات الطائرات أقل تطورا من تلك الممنوحة لإسرائيل.

أما القوات البرية فإن تدريبها لا يتم عبر الاحتراف اللازم، ولا تأخذ بعين الاعتبار كما يجب الدعم اللوجيستيكي. ففي التقليد البدوي، لا نحارب بعيدا عن الأهل والتموين يتم عبر الاستيلاء على الغنائم من القبائل المهزومة. هذا الأسلوب لا يمكن تطبيقه في الحرب المعاصرة التي تتطلب تموينا يوميا مستقلا للقوات العاملة. وثمة حادثة شهيرة توضح عدم الانسجام هذا في حرب القوات المتحركة، ففي سنة 1990، لم يكن الجيش السعودي جاهزا لأي نوع من الحملات العسكرية. ويذكر الجنرال الأمريكي نورمان شوارزكوف في مذكراته هذه الملاحظة ويسخر من الأمير خالد بن سلطان، القائد العام للقوات السعودية الذي سأله محتارا:
-
يجب أن نطعم جنودنا. فأين سنجد مطابخ للحملة؟[4]

يذكر الباحث الفرنسي ستيفان مارشان Stéphane Marchand أن ثمة "سؤالان يطرحان على المسئولين: ما هي الفائدة الحقيقية لإنفاق هذه المبالغ الضخمة؟ فهل أن الغاية من تكديس كل هذه الأسلحة الدفاع عن النظام ضد عدوان خارجي؟ للإجابة على ذلك يجب التذكير بأن المملكة العربية السعودية قبل أن تكون بلدا، فهي أولا عائلة. وبالتأكيد، فإن كل الجهاز العسكري مطلوب منه الدفاع عن الأرض ضد أعداء خارجيين، ولكن في الواقع هو مشكل لحماية آل سعود ضد أعدائهم الداخليين. وهو ما يؤدي إلى تناقض مؤلم، ذلك أنه مثل واقع الأمر في كثير من البلدان غير العسكرية في المنطقة، فإن الجيش هو المؤسسة التي تجسد في الداخل التهديد الأخطر على العائلة الحاكمة".

ويذكر نفس الباحث أنه طيلة الحقبة الناصرية، حدثت محاولات انقلاب وأصبحت الريبة في الجيش سلوكا تلقائيا. ولا يمكن أن يوضع على رأس الجيش إلا أمير، ولكن هذا الأخير ما إن يتم تعيينه، أفلا يمكن أن يحاول استخدام هذه السلطة ليتدخل في توارث الحكم لدى العائلة؟ الشك متواصل ومازال يؤرق العائلة.

تقسيم القوات المسلحة إلى أكثر من مؤسسة

ولمواجهة خطر الانقلاب العسكري وعدم تكرار النموذج المصري في ثورة يوليو 1952، أو اليمنية سنة 1962، أو الليبية سنة 1969 فإن العائلة الحاكمة في المملكة اعتبرت أن جيشا قويا وناجعا ليس إذن بأولوية. وفي بداية سنوات الستين، أنشأ الملك سعود قوات منافسة بغاية حماية أفضل للعائلة: الحرس الملكي والحرس الوطني، وهي موروثة من تنظيم الإخوان القديم المتكون في أغلبه من بدو موالين للعائلة ولكنها الآن في خدمة مطلقة لآل سعود. أما فيما يتعلق بالجيش، فإن كل ما يمكن فعله تم فعله لتفرقة مكوناته المختلفة وبغاية تفادي أية مخاطرة ممكنة.
وككل مصادر المملكة، تتوزع القوة العسكرية على الأمراء الكبار. فالجيش بيد الأمير سلطان، والحرس الوطني يخضع للملك عبد الله. دون أن ننسى الأمير نايف الذي يتحكم في القوة الثالثة، المتكونة من وحدات عديدة في وزارة الداخلية[5].

اعتراف ملك

على إثر انتهاء الصراع، اعترف الملك الراحل فهد علنا بأخطاء الماضي والتزم بتقوية القوات المسلحة. وبعد حرب الخليج والخوف الكبير الذي أدت إليه، ارتفعت شراءات الأسلحة. واحتفظ الحليفان الأولان الولايات المتحدة وبريطانيا بنصيب الأسد. وفرنسا أيضا حصلت على نصيبها، بما أنها تبيع للسعوديين فرقاطات متطورة جدا، في إطار برنامج "سواري" الذي يكلف المملكة تقريبا 5 مليار يورو. وبين سنتي 1995 و1997، أنفقت السعودية 31 مليار دولار. فالمسئولون يرغبون في مضاعفة عدد رجال القوات المسلحة، لكن دون تبني التجنيد الإجباري الشامل. فالثقة في القوات المسلحة محدودة في الواقع. ومن الواجب ممارسة رقابة مشددة على الجنود والضباط. فأثناء الحرب، برز تواجد بعض العناصر التي أطلقت لحاها كشكل من أشكال التضامن مع المعارضين الإسلاميين لتواجد القوات الأمريكية في الجزيرة العربية إضافة إلى الذكرى الحية لاغتيال أنور السادات من قبل عسكريين إسلاميين متشددين، كل هذه العوامل دفعت بآل سعود إلى الحذر، رغم حاجتهم لبناء قوة مسلحة حقيقية[6].

الأسباب السوسيولوجية لتفكيك القوات المسلحة

إن تقسيم العائلة المالكة في السعودية القوات المسلحة إلى أربعة مؤسسات عسكرية أمنية متفرقة يعود إلى عدة أسباب:

-
أولا: تجنب الانقلاب العسكري، فإذا ما فكرت وحدت من الجيش مثلا بالاستيلاء على السلطة فإن قوات الحرس الوطني يمكن أن تتصدى لها. والعكس صحيح.

-
ثانيا: تجنب أن ينفرد أمير، أي ابن للملك الراحل عبد العزيز بن سعود بالقوة العسكرية فيمكنه بالتالي أن يزيح بقية إخوته عن الحكم وأن يجعل تداول الحكم رأسيا أي من الأب إلى الابن البكر... وهي من أهم الأسباب التي دفعت بالملك الراحل فيصل أن يولي قيادة الحرس الوطني للأمير عبد الله حتى يستطيع عبر هذا الجهاز أن يتصدى لإخوته السديريين وبخاصة، الملك الراحل فهد، والأمير نايف، والأمير سلطان... إذا ما حاولوا أن يبعدوه عن دوره في الحكم.

-
ثالثا: وهذا عامل هام حيث تتم الاستفادة من صفقات التسلح للأمير أولا وللموالين فيما بعد حيث مثلت هذه المؤسسات العسكرية مصدرا هائلا من الدخل المالي عبر صفقات الأسلحة والعمولات التي يتقاضونها.

لكل أمير وجيشه ميزانية

وتتوفر لكل قيادة ميزانية ضخمة وعقود هائلة. ويبرز الباحث الفرنسي ستيفان مارشان "أن الأمير سلطان أصبح واحد من أغنى الناس في العالم وحاملا لقب "أمير 5%" وذلك بالعودة إلى العمولات التي يتقاضاها على كل عقود السلاح المبرمة. وعلى مستوى أقل، متع الملك عبد الله أيضا المحيطين به بهذه العوائد. وفي سنة 1995، كان الحرس الوطني مجهزا بشاحنات من صنع الشركة النمساوية شتاير، والممثلة في المملكة من قبل الملك عبد الله، ويتجول ضباط الحرس الوطني في سيارات فورد كرون فيكتوريا، ووكيل هذه الشركة هو الأمير متعب بن عبد الله، ابن الملك الحالي[7]. كما يتمتع وزير الداخلية الأمير نايف بميزانية ضخمة لقوات وزارة الداخلية التي سرعان ما تضاعفت على إثر 11 سبتمبر 2001 بحجة محاربة إرهاب القاعدة... وسرعان ما شهد العالم أكبر فضيحة رشوة عسكرية المتمثلة في صفقة اليمامة والتي تناولها الإعلام الغربي بالتفاصيل وشاركت قناة الجزيرة في إبراز أهم جوانبها عبر تحقيق موسع ورد في برنامج عنوانه "سوداء اليمامة" تمكن من خلاله المشاهد العربي من الاطلاع على كافة التفاصيل وكانت بمثابة صدمة بالغة له لأنه لم يعتد مثل هذه البرامج ولأن النخبة فقط تطلع على الصحافة الأجنبية.

صفقة اليمامة

تعرضت المؤسسة العسكرية السعودية إلى أكبر هزة / فضيحة بانتشار قصة الرشوة الضخمة التي تخللت صفقة اليمامة.
فقد كشف تحقيق للبي بي سي في 7 يوليو / تموز 2007إضافة إلى صحيفة الغارديان كيف دفعت شركة صناعة الأسلحة البريطانية با سيستامز على امتداد عشرة سنوات أكثر من 2.5 ملياري دولار للأمير بندر بن سلطان بن عبد العزيز على مدى عقد من الزمن كعمولات مقابل دوره في إبرام الصفقة المذكورة. والأمير بندر كان يشغل في هذه الفترة منصب السفير السعودي السابق في الولايات المتحدة، وهو الذي لعب دور المفاوض عن الجانب السعودي في صفقة اليمامة[8].
وتؤكد البي بي سي أن الهدف من الرشوة هو تأمين عقد اليمامة الموقع سنة 1985 والمتعلق ببيع طائرات مقاتلة وأجهزة عسكرية أخرى بقيمة حوالي 90 مليار دولار. ولم تتردد شركة با سيستامز،حتى لا تُضيع واحد من أكبر العقود في تاريخها، في الضخ كل ثلاثة أشهر، في حساب السفارة السعودية في واشنطن وبموافقة من وزارة الدفاع البريطانية، هذا الحساب كان الأمير بندر يستخدمهبين سنوات 1983 و2005 باعتباره حسابا خاصا به. وأيضا كان الرجل يغرف من خزائنها لتمويل حاجياته، من بين أشياء أخرى، طائرته الآرباص الخاصة.
شركة با سيستامز كذبت عدم قانونية الدفع، مؤكدة أن الأمر يتعلق "باتفاق حكومة مع حكومة". وأن كل ما دفع من هذا النوع في إطار هذا الاتفاق تم بموافقة سريعة للحكومتين البريطانية والسعودية. ولكن اعتبر المناضلون المناهضون للفساد هذه الحجة بأنها حجة خادعة. غير أنوزير العدل أمر بوقف تحقيق أولي قام به مكتب عمليات الغش الخطيرة (SFO) البريطاني في شهر ديسمبر الماضي.
حيث قام حينئذ اللورد غولدسميث باستخدام حجة المصلحة العامة للبلاد في حين أن توني بلير أكد على الدور الأساسي للمملكة العربية السعودية في الصراع ضد الإرهاب.
ولكن بالنسبة للصحافة البريطانية فإن القرار يرجع بالأحرى إلى مساومة الرياض التي هددت بإلغاء طلبية ب72 مقاتلة من شركة الأسلحة با سيستامز.

تاريخية الصفقة

وقع في سنة 1985 مايكل هيزلتاين، وزير الدفاع البريطاني مع نظيره السعودي الأمير سلطان بن عبد العزيز المرحلة الأولى من صفقة اليمامة التي نصت على تزويد السعودية بطائرات تورنيدو وهوك الحربيتين وتقديم الدعم الفني والصيانة المتعلقة بهما، بالإضافة إلى إنشاء قاعدة عسكرية ضخمة لهذه الطائرات في السعودية، وقد بلغت قيمة الصفقة حوالي 43 مليار جنيه إسترليني أي ما يعادل 86 مليار دولار أمريكي.
وحلقت طائرات التورنيدو المشتراة في إطار صفقة اليمامة لأول مرة في عام 1991 في أجواء المملكة إلى جانب طائرات تورنيدو تابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني، وذلك خلال حرب الخليج الأولى.

أما بداية انتشار خبر الفضيحة فقد تم في شهر مايو/أيار 2004 حيث نشرت صحيفة الإندبندنت البريطانية مقالا تقول فيه إن صفقة اليمامة تمت بمساعدة حساب مصرفي سري كان بمثابة القناة التي تم عبرها دفع رشاوى، وإن وزارة الدفاع البريطانية تحقق في دفع الشركة البريطانية لأكثر من 60 مليون جنيه إسترليني خلال تنفيذ صفقة اليمامة. وهو ما دفع بشركة با سيستامز في شهر نوفمبر/تشرين الثاني 2004 إلى التأكيد على أن مكتب مكافحة قضايا الفساد المالي الخطيرة يجري تحقيقا في صفقة اليمامة.
وتواصلت الصفقة ففي شهر ديسمبر/ كانون الأول من عام 2005 أكدت شركة با سيستامز أنها اتفقت مع السعودية على تزويدها بـ 72 طائرة يوروفاير المقاتلة واستمرت المفاوضات حول الصفقة خلال عام 2006.
وتوصلت الحكومة البريطانية إلى قرار أن مصلحة الاقتصاد وبالتالي الدولة أهم من تطبيق القانون وهو أمر نادر الحدوث في هذا البلد. فقام المدعي العام البريطاني، اللورد جولد سميث، في 14 ديسمبر 2006 بالإعلان عن وقف مكتب مكافحة قضايا الفساد المالي الخطيرة التحقيقات في صفقة اليمامة.
وفي المقابل كافأت السعودية الحكومة البريطانية عن قرارها بأن أعلن ولي العهد السعودي ووزير الدفاع، الأمير سلطان بن عبد العزيز، في 17 يناير 2007 أن بلاده لا تزال مهتمة بالحصول على 72 طائرة يوروفايتر من بريطانيا بأسرع ما يمكن. وبالرغم من أن أعضاء في مجلس العموم البريطاني كانوا يحذرون من الضررالجسيم الذي لحق بسمعة بريطانيا في مجال مكافحة الفساد بعد وقف التحقيقات في صفقة اليمامة، فإن رئيس الوزراء السابق توني بلير أعلن أنه أمر بذلك كي لا تتضرر علاقات بلاده مع السعودية، لان هذه العلاقة شديدة الأهمية في "مجال الحرب على الإرهاب، وكي لا تفقد بريطانيا آلاف الوظائف".

مقاومة الديمقراطية البريطانية

لكن الديمقراطية البريطانية لم تستسلم بسهولة حيث أن آلية فصل السلطات اشتغلت مرة أخرى وأعلنت المحكمة العليا في بريطانيا في يوم 10 أبريل 2008 أن قرار مكتب مكافحة قضايا الفساد المالي الخطيرة بوقف التحقيق في صفقة اليمامة مخالف للقانون، وذلك في أعقاب رفع منظمات بريطانية مناهضة لتجارة الأسلحة دعوى أمام المحكمة بطلب للمضي قدما بالتحقيقومن جهتها أعلنت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بأنها ستقوم بإجراء تحقيق مستقل عن سبب وقف مكتب مكافحة قضايا الفساد المالي الخطيرة التحقيق في ملف اليمامة. وقامت البي بي سي إضافة إلى صحيفة الغارديان بشن حملة كبيرة منددة فيها بالتجاوز القانوني الذي حصل.... لكن مصلحة الدولة يبدو أنها انتصرت في الآخر وبخاصة أن بريطانيا من الدول التي عانت أكثر من الأزمة الاقتصادية الراهنة. وهي لا تستطيع أن تفقد سوق السلاح السعودي.... والأهم هو تواصل دخل الأمراء من خلال صفقات الأسلحة والعمولات... لكن دون تقوية الجيش فعليا وبخاصة تكوينه من أجل قتال حقيقي كبقية الجيوش العربية المجاورة...

مدونة رياض الصيداوي
http://rsidaoui.blogspot.com


[1]
المعهد الدولي للأبحاث الإستراتيجية.



[3] Stéphane Marchand, Arabie Saoudite, la menace, Fayard, 2003, pp. 309-310.

[4]
[4] Stéphane Marchand, idem, pp. 312- 313.

[5] Stéphane Marchand, Arabie Saoudite, idem, 310-311.

[6] Stéphane Marchand, Arabie Saoudite, idem, p 312.

[7] Idem.
[8] البي بي سي 7 يوليو/ تموز 2007.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق